ابو جعفر محمد جواد الخراساني
354
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
ثمّ مناط كونه عقليّا * كون الدليل عندهم مرضيّا بحيث إن يعرض عليه أبرمه * وإن يكن بنفسه لم يلهمه ومنه ما عقلىّ ، أوّلىّ * ومنه طولىّ وثانوىّ من ذاك قد يقضى بحكمين على * شيء ، قضاء ثانيا وأوّلا كمنعه الإشراك في العبادة * من بعد الاعتراف والشّهادة [ ما هو المناط في الدليل العقلي ؟ ] ثمّ مناط كونه ؛ اى الدليل عقليّا ، وتسميته بالدليل العقلي ، ليس على ما توهّموا على حسب مصطلحهم ؛ وإنّما المناط ، كون الدليل عنده ؛ اى عند العقل ، مرضيّا يستحسنه ويرتضيه ، لا كونه بتلك المثابة من العقليّة ؛ بل كان بحيث إن يعرض عليه ، أبرمه واحكمه وأمضاه ، وإن يكن بنفسه لم يلهمه ؛ اى ليس المناط إلّا كون العقل راضيا به ، حجّة عنده حاكما بصحّته ، وان لم يكن مدركا ايّاه بالاستقلال ، فضلا عن كونه ممتنعا عن الخلاف والاحتمال . والعقلي على نوعين : منه ما هو عقليّ ، أوّلىّ ، يحكم به العقل في المرتبة الأولى بذاته ، كقبح تكليف العاجز ؛ ومنه ما هو طولىّ وثانوىّ ، يحكم به في طول الحكم الأوّل لا بذاته ، بل متفرّعا عليه في المرتبة الثانية ، كقبح تكليف الجاهل ، لأنّه عاجز . من ذاك ؛ اى من جهة أنّ الاحكام العقليّة ليست كلّها في مرتبة واحدة ، قد يقضى بحكمين مختلفين على شيء واحد ، ولكن قضاء ثانيا تارة ، وقضاء أوّلا أخرى ؛ فبالنّظر إلى ذاته ، يحكم بحكم ، وبالنّظر إلى فرعيّته لحكم آخر ، يحكم بما يخالف الحكم الأوّل . وهذا قد يصير موجبا للاشتباه والاختلاف ، لقصر كلّ من المختلفين نظره على حكم وغفلته عن الآخر ، فيدّعى أحدهم اثباته عقليّا ، والآخر نفيه عقليّا ؛ وذلك كمنعه الإشراك في العبادة ، فإنّه عقلىّ ثانوىّ ، يحكم به من بعد الاعتراف والشّهادة ، لا قبله ، فإنّ العقل أوّلا وبالذّات ، لا يمتنع عن تجويز عبادة غير اللّه ، كما يأتي ، فليس المنع عنها حكما عقليّا ، ولكن بعد الاعتراف بصانعيّته تعالى ، ومصنوعيّة نفسه له ، يحكم بالمنع ، لأنّ الإقرار بالملكيّة يوجب عدم جواز صرف ملك المالك لغيره إلّا باذنه .